محمد أبو زهرة
1293
زهرة التفاسير
يناصرونه ، وهو مشتق من معنى النبوة ، والرسالة الإلهية ؛ فإن هذه الرسالة بمقتضى وظيفتها وعملها هي عهد موثق بين العبد المختار ، والرب الذي اختاره ، كمن يرسل رسولا ، فإنه يكون ثمة عهد بين الرسول ومن أرسله ، بأن يقوم بواجب الرسالة على الوجه الأكمل . وإنه بمقتضى هذا العهد الموثق الذي اشتق من منصب الرسالة الأسمى ، تكون الرسالة الإلهية واحدة في مقصدها وغايتها ، وهي إسعاد البشرية ، وتنظيم العلاقات الإنسانية على دعائم من الأخلاق الفاضلة المنبعثة من النفس العابدة ، والروح الزاهدة ، التي لا تحرم طيبات ما أحل اللّه . وإذا كانت الوسائل تختلف أحيانا قليلة ، فالغاية واحدة ، وهي الرحمة ، وإقامة الحق والقسط بين الناس . وكل نبي متمم ما بدأ به النبي الذي سبقه ، أو بالأحرى يؤكد ما جاء به ويوثقه ويقويه ، حتى ختم اللّه أنبياءه بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فكان خاتم النبيين ، ولذلك كان حقا على كل نبي أن يصدق ويؤمن بما يجئ به النبي الذي بعده ، والذي أعلمه اللّه تعالى به ، وإذا كان حقا على النبي المبعوث أن يؤمن بمن سبقه ، ومن يجيئون بعده ممن أخبره اللّه تعالى بمجيئهم ، فإنه بلا ريب حق على الذين يتبعونه أن يصدقوا ذلك النبي الذي يجئ بعده ؛ لأنهم يتبعونه في كل ما يؤمن به ؛ فحق على اليهود والنصارى بمقتضى العهد الذي أخذه اللّه على النبيين ، وبمقتضى إيمان هؤلاء النبيين ، وتنفيذا لهذا العهد ، أن يؤمنوا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإلا ما كانوا متبعين لموسى وعيسى عليهما السلام ، إنما يكونون متبعين لأهوائهم وشهواتهم ؛ ولذا يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه جابر : « لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني » « 1 » .
--> ( 1 ) رواه أحمد : مسند المكثرين - مسند جابر بن عبد الله رضي الله عنه ( 14104 ) .